الشيخ محمد هادي معرفة

217

التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )

أو الجنس أو اللون أو اللسان أيّ أثر في المجمع الإسلامي . وارتباط المسلم بالوطن والقوم إنّما هو بمقدار ارتباط هذا الوطن وأهله بالإسلام . فولاء المسلم لعقيدته أولًا وآخرا هو الذي يربطه بأخيه وبقومه وذويه وجميع ما يليه . « 1 » لذا نجد القرآن الكريم ندّد بمن آثر الوطن والمسكن والأهل والأقارب على العقيدة ، وامتدح الذين ضحّوا بكلّ ذلك في سبيل عقيدتهم وأذابوها في بوتقة الإسلام . يقول تعالى : « لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ » . « 2 » * * * نعم ، إنّ التشريعات الإسلامية التي جمعت بين الروح والمادّة - فأشبعت كلًاّ منهما في الإنسان بما يناسبها ووفّرت السعادة والطمأنينة في الحياة الدنيا وأزالت القلق عن النفوس من المستقبل مع مراعاة الفطرة والتلاؤم معها - لدليل على أنّ أحدا من البشر لا يستطيع أن يدرك هذه المجالات أو يحيط بها . وهي برهان ساطع على أنّها منزّلة من خالق الإنسان الذي أودع فيه هذه الطاقات والقدرات والاستعدادات ، فأنزل ما ينظّمها جميعا ويوجّهها لعبادة الخالق سبحانه وتعالى . وتكون الدلالة أوضح والبرهان أظهر عندما تعلم أنّ الذي نزلت عليه كان امّيّا لم يتلقّ العلم على يد أحد من البشر ولم يعرف بتجواله في الآفاق بحثا عن النظريات والدساتير الإصلاحية . يقول الشيخ محمّد أبو زهرة : إنّ ما اشتمل عليه القرآن من أحكام تتعلّق بتنظيم المجتمع وإقامة العلاقات بين آحاده على دعائم من المودّة والرحمة والعدالة لم يسبق به في شريعة من الشرائع الأرضية . وإذا وازنّا ما جاء في القرآن بما جاءت به قوانين اليونان والرومان وما قام به الإصلاحيون للقوانين والنظم وجدنا أنّ الموازنة فيها خروج عن

--> ( 1 ) - راجع : الفرقان والقرآن ، ص 218 . ( 2 ) - المجادلة 22 : 58 .